الاثنين، 28 أغسطس 2017

دورة حياة معلمة 

 دورة حياة معلمة


الثالثة صباحاً ، استيقظت قبل المنبه، فهي دوماً في قلق على موعد وصول السائق. دخلت المطبخ أعدت الافطار لزوجها و اطفالها و اودعته الميكرويف ليقوموا بتسخينه ، سمعت صوت المؤذن فأسرعت للصلاة لأنها خَيْرٌ من النوم ، و هي تصلي تذكرت انها لم تتوضأ ..! قطعت الصلاة و هي تتمتم

"أنا ناقصة تأخير ..!"

 أسرعت باستبدال ملابسها و نظرت إلى أطفالها في ظلام الغرفة الدامس و استودعتهم الله كعادتها كل يوم. 

نظر إليها زوجها بحنق

 " لم توقظيني للصلاة ..!"

السابعة صباحاً ، وصلت إلى المدرسة متأخرة ففي ذلك اليوم كسى الضباب طرقات الخط السريع ..! و بعد تأنيب القائدة ، طلبت منها على استحياء ان تستأذن، فلديها اليوم تحليل مهم جداً في المستشفى و ينتهي وقته في الواحدة ظهراً ... رفضت المديرة .." كيف تجرؤين و انت متأخرة ..؟" 

 في الخامسة عصراً، وصلت إلى المستشفى، قبل المنزل ، عل الممرضة تحن عليها و تجري لها التحاليل المطلوبة .. .. كانت الممرضة تشير بيدها إلى جدول المواعيد خلفها و مريضتنا ترجوها و تشرح لها ظروفها " أتمنى ان تكون لديك رحمة و تقدري وضعي هذا التحليل لا يوجد في اي مستشفى .." 

" انتبهي عزيزتي لكل ما تقولينه هنا .. فنحن لسنا مثلكم ..! الاعتداء علينا لفظياً او جسدياً تُعاقبين عليه ..! النظام نظام ..!" 

السابعة مساءاً ، خرجت إلى القرطاسية المجاورة لمنزلها فغداً سيتم تقييم الفصول و لازال فصلها تنقصه بعض الإضافات ... أثناء جولتها بالمكان .. سقطت .. تجمع الناس و صرخت ابنتها

 " أمــي ..أمي ..!" 

العاشرة مساءاً ، مجلس طويل اصطفت فيه النساء ، جلست بعباءتها المزركشة و رموشها الاصطناعية المثبتة بعناية و بدأت تتحدث عن الراحلة .." يقولون ماتت في السوق ..! هذا طبع المدرسات ما يتركون الدوارة " 

" الله و السوق ماتت في بو خمسة ماشفت بخيلات نفس المعلمات ..!" 

في صدر المجلس أريكة طويلة جلست عليها والدة الراحلة تبكي على ثمرة قلبها و هي تحتضن حفيدتها و تقول لجارتها 

" وصل المرض المرحلة الرابعة ..!  

ما عمرها اشتكت .. ما عمرها بكت ...! " 

فُتح الباب و دخل صغير ذي سنوات أربع و قال مخاطباً جدته و شقيقته : 

" لا تبكون ... أمــي في الطريق ... ما خلص الدوام ..!" 

 

أمال العرجان 

الأربعاء، 9 أغسطس 2017

مبارك أصبحتِ آنسة 

مبارك أصبحت آنسة 

تسلمت في العاميين الماضيين دفة المصلى المدرسي و كان من حسن حظي أن ذلك العام هو أول عام يُطبق فيه برنامج "مبارك أصبحتِ آنسة " 

البرنامج توعوي ديني صحي و ثقافي للطالبات في بداية مرحلة البلوغ و بعيداً عن كل التعقيدات ، بدأت بتطبيق البرنامج كما يمليه عليّ ديني و واجبي و كما تحركني فطرتي كأم لكل تلك البنيات في المرحلة الابتدائية. 

و في رحلة التطبيق تعالت ضحكاتي مع بنياتي الصغيرات بين أروقة المصلى تارة و بين زحام الفصول تارة أخرى. فالموضوع محرجٌ قليلاً لكن مع التدرج في تقديم المعلومات يزول حاجز الخجل و يبقى الحياء المحبب الجميل الذي يطل على وجنات صغيراتي و في اجاباتهن الممزوجة بضحكاتهن البريئة . 

في العام الجديد لم انتظر صدور الخطة فبدأت بتطبيق البرنامج فوراً ليأخذ حقه كاملاً فهو في نظري أولى من الكثير من البرامج التي لا تحصد البنت منها إلا المهارة في تلوين الأوراق ...! 

أجمل ما في الأمر ؛ النتائج ..! كانت طالباتي الصغيرات يتسابقن لإخباري بأنهن أصبحن آنسات و كيف اخبروا والداتهن بالموضوع كما نصحتهم ، و البعض منهن تأتي للمشورة في أمور الحيض و الأحكام الشرعية . مررت بشعور الأمهات اللاتي تبلغ بنياتهن، عشرات المرات ؛ ربما هذا تدريب لي لتلقي المفاجأة من فلذة كبدي يوماً ما ...!

 كانت أيام جميلة سأفتقدها حقاً .. بارك الله لنا و لكم و جعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم .


اختكم أمال العرجان 🌹🌹🌹

الخميس، 3 أغسطس 2017

أطفال الـ ٩٠

كان يوم خميس عادي ذهبنا لزيارة أحد الأقارب و فجأة قطع التلفزيون السعودي المسلسل العراقي الذي كان يعرض على شاشته و بدأت الأخبار تتهاوى و صال و جال حديثٌ عاصف بين الحاضرين من الرجال و الشباب و كذلك النساء ... لم ألتقط من حديثهم يومها سوى ثلاث كلمات .. صدام .. الكويت ... غزو ..! كنت جاهلة بشخص الأولى .. محبة للثانية و لا اعرف معنىً للثالثة ...! 

بعد أيام بدأت الرؤية تتضح لنا نحن الصغار ، فالأخبار هي التسلية الوحيدة للكبار كما انهم صادروا حقنا في الفيلم الهندي ليلة الخميس على قناة (٥٥) و استبدلوه ببرامج لقاءات حوارية سريعة مع الكويتين المقيمين في المملكة و تحولت دموعنا الساذجة على البطلة الهندية إلى دموع حرى من أهلنا على الأبطال الخليجيين..! 

الحرب كانت و لم تزل خارج حسابات الأطفال و لا يدركون حقيقتها أو لماذا تحدث و المفارقة أن الكبار قد لا يعلمون لها سبباً ايضاً..! للأسف يعرفها الأطفال حين يغتال المعتدي أمنهم و يسلبهم استقرارهم أو أحداً من محبيهم .. يعرفونها حين يتناثر السقف على رؤوسهم أو تُسلب كرامتهم .. و هذا كله لم نشعر به بفضل الله أولاً ثم بجهود هذه البلاد المباركة و القائمين عليها .. 

كانت صفارات الانذار التي تدوي ليلاً في الغالب ، بمثابة نداء مبكي مضحك ..! يجمع أهل البيت الواحد حتى و إن كانوا مختلفين أو متخاصمين ..! تلك الغرف الصغيرة المحكمة اللصق كانت فضاءاً رحباً للصلح و الاعتذار و تجديد العهود و إبراء الذمم ، و كانت لنا بالمقابل فرصة لالتهام الحلويات المخبأة لليوم الذي لن نجد فيه ما نأكله بسبب الحرب ... و انتهت كل الحلويات و قضينا على كل المخزون الغذائي تباعاً و بفضل الله ايضاً لم يأتِ ذلك اليوم المنتظر ..! 

و كبرت و قرأت و شاهدت، و في كل عام بعد الأزمة يزداد إدراكي للخطر العظيم الذي كان محدقاً بِنَا و تفتحت أمامي كما الجميع من اطفال التسعين ، حقائق مخيفة على المستوى السياسي و حتى الاقتصادي و أظن أن أسعد الناس يومها كانوا تجار الأشرطة اللاصقة و الأكياس البلاستيكية بالمشاركة مع تجار الأقنعة الواقية من الغازات الكيماوية ...و هذا نقيض ما توقعته زمن الغزو ؛ فقد خَيل إليّ أننا الرابح الأكبر فنحن في إجازة طويلة من المدرسة و ننعم بالسهر في الغرفة السوداء بصحبة ما لذ و طاب من الأكل و بصحبة جهاز الفيديو و كمبيوتر صخر ...! 

أزمة الكويت حدث عظيم خلخل الأمة العربية و هز وجدانها بعنف و كان تاريخاً فاصلاً انقلبت معه المنطقة و لا زالت تداعياته تلقي بضوءها على الجميع و كانت سبباً مباشراً و أحياناً ذريعة غير مباشرة لكل بلاءٍ مر بِنَا خلال السبع و عشرين عاماً الماضية ..! 

اليوم مع الذكرى الغاشمة تجلت لي حقيقة جديدة و تذكرت قول الله تعالى في أبي بكر الصديق رضي الله عنه 

(وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)

و الحقيقة الجلية هي أن الشعب الكويتي الباسم الجميل ، الذي لازال يتجرع مرارة الغزو، ففي عينيه حزن على شهيد راحل أو على بلدٍ كان قاب قوسين أو أدنى من فقده ، هو نفسه اليوم ، يحمل بين يديه عطايا و هبات و أرزاق يقدمها بأمر الله للعرب و المسلمين في كل مكان ، فعادت معظم الجنسيات العربية ممن أيد العدوان بما فيها العراق الذي تولى كِبْرَه للعمل داخل الكويت و تحت مظلة حكامها..فهنيئاً لهم هذي القلوب الكبيرة التي وسعت كل هذا الحب..! 

كويتنا .. دمتِ في حفظ الرحمن .

سعودية و أحب الكويت 

آمال العرجان