كان يوم خميس عادي ذهبنا لزيارة أحد الأقارب و فجأة قطع التلفزيون السعودي المسلسل العراقي الذي كان يعرض على شاشته و بدأت الأخبار تتهاوى و صال و جال حديثٌ عاصف بين الحاضرين من الرجال و الشباب و كذلك النساء ... لم ألتقط من حديثهم يومها سوى ثلاث كلمات .. صدام .. الكويت ... غزو ..! كنت جاهلة بشخص الأولى .. محبة للثانية و لا اعرف معنىً للثالثة ...!
بعد أيام بدأت الرؤية تتضح لنا نحن الصغار ، فالأخبار هي التسلية الوحيدة للكبار كما انهم صادروا حقنا في الفيلم الهندي ليلة الخميس على قناة (٥٥) و استبدلوه ببرامج لقاءات حوارية سريعة مع الكويتين المقيمين في المملكة و تحولت دموعنا الساذجة على البطلة الهندية إلى دموع حرى من أهلنا على الأبطال الخليجيين..!
الحرب كانت و لم تزل خارج حسابات الأطفال و لا يدركون حقيقتها أو لماذا تحدث و المفارقة أن الكبار قد لا يعلمون لها سبباً ايضاً..! للأسف يعرفها الأطفال حين يغتال المعتدي أمنهم و يسلبهم استقرارهم أو أحداً من محبيهم .. يعرفونها حين يتناثر السقف على رؤوسهم أو تُسلب كرامتهم .. و هذا كله لم نشعر به بفضل الله أولاً ثم بجهود هذه البلاد المباركة و القائمين عليها ..
كانت صفارات الانذار التي تدوي ليلاً في الغالب ، بمثابة نداء مبكي مضحك ..! يجمع أهل البيت الواحد حتى و إن كانوا مختلفين أو متخاصمين ..! تلك الغرف الصغيرة المحكمة اللصق كانت فضاءاً رحباً للصلح و الاعتذار و تجديد العهود و إبراء الذمم ، و كانت لنا بالمقابل فرصة لالتهام الحلويات المخبأة لليوم الذي لن نجد فيه ما نأكله بسبب الحرب ... و انتهت كل الحلويات و قضينا على كل المخزون الغذائي تباعاً و بفضل الله ايضاً لم يأتِ ذلك اليوم المنتظر ..!
و كبرت و قرأت و شاهدت، و في كل عام بعد الأزمة يزداد إدراكي للخطر العظيم الذي كان محدقاً بِنَا و تفتحت أمامي كما الجميع من اطفال التسعين ، حقائق مخيفة على المستوى السياسي و حتى الاقتصادي و أظن أن أسعد الناس يومها كانوا تجار الأشرطة اللاصقة و الأكياس البلاستيكية بالمشاركة مع تجار الأقنعة الواقية من الغازات الكيماوية ...و هذا نقيض ما توقعته زمن الغزو ؛ فقد خَيل إليّ أننا الرابح الأكبر فنحن في إجازة طويلة من المدرسة و ننعم بالسهر في الغرفة السوداء بصحبة ما لذ و طاب من الأكل و بصحبة جهاز الفيديو و كمبيوتر صخر ...!
أزمة الكويت حدث عظيم خلخل الأمة العربية و هز وجدانها بعنف و كان تاريخاً فاصلاً انقلبت معه المنطقة و لا زالت تداعياته تلقي بضوءها على الجميع و كانت سبباً مباشراً و أحياناً ذريعة غير مباشرة لكل بلاءٍ مر بِنَا خلال السبع و عشرين عاماً الماضية ..!
اليوم مع الذكرى الغاشمة تجلت لي حقيقة جديدة و تذكرت قول الله تعالى في أبي بكر الصديق رضي الله عنه
(وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
و الحقيقة الجلية هي أن الشعب الكويتي الباسم الجميل ، الذي لازال يتجرع مرارة الغزو، ففي عينيه حزن على شهيد راحل أو على بلدٍ كان قاب قوسين أو أدنى من فقده ، هو نفسه اليوم ، يحمل بين يديه عطايا و هبات و أرزاق يقدمها بأمر الله للعرب و المسلمين في كل مكان ، فعادت معظم الجنسيات العربية ممن أيد العدوان بما فيها العراق الذي تولى كِبْرَه للعمل داخل الكويت و تحت مظلة حكامها..فهنيئاً لهم هذي القلوب الكبيرة التي وسعت كل هذا الحب..!
كويتنا .. دمتِ في حفظ الرحمن .
سعودية و أحب الكويت
آمال العرجان
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق